تجربة صحراوية 1

كتبهايوسف جباعته ، في 23 أيلول 2007 الساعة: 11:14 ص

لم أخطط لحظة لأن أصبح مدرّساً حتى قرأت خبر تعييني في الجريدة المحلية، وأسقط في يدي لأن الوظيفة لا يمكن تفويتها وخاصة أنني لم أكن أجيد حرفة غيرها ذلك الوقت( الآن أجيد التفلسف والحمد لله).
وقّعت أوراق تعييني وأبلغوني في مديرية التربية أن علي أن ألتحق بمكان عملي الجديد في أسرع وقت ممكن.."الجدعاء" على أطراف البادية الأردنية.
أرشدوني صباح اليوم التالي إلى موقع الباص الذي ينقل الركاب إلى مجموعة القرى النائية ومنها الجدعاء، وانتظرت ساعة وربما أكثر حتى حضر الباص. ركبت فيه بوجل فنظر السائق إلى الخلف ورآني في رتابة غير عادية:” أهلاً وسهلاً، الأخ معلم حكومة؟"
"نعم، بعثوني إلى الجدعاء، الباص هذا يروح هناك؟"
"نعم. وأنا اسمي فالح، أسوق هذا الباص من عشرين سنة"
شاربان كثيفان شديدا السواد يصلحان مخبئاً لمهربي المخدرات في كولمبيا..عينان حادتان، شعر فاحم يثير الحسد.
فالح يعرف جميع الركاب ليس فقط بالاسم وإنما بالصفة أيضاً:” أبو حمد بطيء، والله ما ييجي غير لمّا يشتري السوق كله" و" أم عليان راحت المستوصف تشتري دوا الكلى للمسكين اللي مرمي بالبيت من سنين، الله يساعده". فعلمت أنه ينتظر الركاب الذين أحضرهم ولا يعود بدونهم لسبب بسيط ومنطقي وهو أن هناك رحلة واحدة فقط لهذا الباص في اليوم.
بدأ الركاب بالتوافد، امرأة مسنة دخلت وابنها معها يحمل "قفصاً"ممتلأً بالدجاج الحي، ساعدهما فالح في وضع القفص على أرضية الباص.
ركب بجانبي رجل طاعن في السن، ونظر إلي نظرة متفحصة، وكأنه ضابط حدودي اكتشف أن جواز سفري مزور:”وين رايح؟"
"الجدعاء يا حاج" قلتها بوجل.
" آه. طيب زين" أخرج من جيب جاكيته علبة للف السجائر وكيساً من التبغ الخام وولاعة كاز فضية اللون:”ألف لك وحده"
"مشكور. بارك الله فيك"
رمى بلسانه كالضفدعة على الورقة ليرطبها ثم ألصقها بعناية، وتزامنت حاجته التخلص من بقايا التبغ الزائدة في فمه مع سؤاله المباشر لي:” أنت معلم حكومه؟" فكان أن تفل البقايا في وجهي مترافقة مع لعابه. مسحت التبغ وعوالق أخرى عن وجهي وأجبت:”نعم يا حاج"
"آه. طيب زين، في الجدعاء قلتلي؟"
"نعم يا حاج"
صمت بعدها واكتفى بإشعال السيجارة. يا ترى لماذا لم يعلق بشيء عندما قلت له الجدعاء؟ هل الاسم مخيف لهذه الدرجة؟ سمعت أن أهل القرى ينتظرون المعلم الجديد للترحيب به ودعوته إلى عشاء، فهل اختلفت الأمور الآن؟ وهل سأجد بانتظاري مجموعة من القتلة المأجورين جندتهم الحكومة للتخلص من أعداد المعلمين المتزايدة؟
انطلق الباص بسرعة عالية وازداد توتر الدجاج وتصفيقه بجناحيه، وراح جاري مع الإيقاع الجديد للباص ينفث دخان سيجارته في كل الأرجاء دونما أي إحساس بالذنب، وأنا أدعو الله أن لا يوجه كلاماً مباشراً إلي، لأنه في كل مرة يحادثني ينفخ دخانه في وجهي مباشرة، فأسعل وتدمع عيناي.
سيجارته لا تنتهي والدخان يزداد كثافة في الباص، حتى تشكلت أمامي غيمة كبيرة أفقدتني بعضاً من وعيي. القرى تتضاءل أمامي وتزداد نئياً وخشونه..بيوت صغيرة من الحجر البركاني الأسود متباعدة عن بعضها ..كلاب تجري في حر الهاجرة تبحث عن ظل، أين هو الظل يا إلهي؟ في مرحلة ما من الطريق الطويل توقفت أعمدة الكهرباء عن الظهور على جنبات الطرق، فعرفت أن القرى القادمة، بما فيها الجدعاء، لا كهرباء فيها.
غيوم سيجارة جاري الغليظة تطبق علي الخناق حتى حسبت حلقات الدخان أنشوطة إعدام، وفي لحظة من "الدوخان" شعرت بهرج ومرج في الباص وتبينت أن إحدى الدجاجات قد أفلتت من سجنها وانطلقت بارتباك على "رؤوس الأشهاد" فاضطربت  الرقاب وتطايرت "الغُتر" الحمراء، ولم تختر الدجاجة مَدرجاً للهبوط إلّا في حضني. انقض الولد برشاقة على الدجاجة وأمسكها وأعادها إلى القفص، لكن بعد فوات الأوان، فقد "تصرّفت بالحمولة" على ملابسي قبل اعتقالها بثوان.
وأخيراً وصلنا الجدعاء……
عزيزي القاريء..سنكون على موعد مع بقية الأحداث في المستقبل القريب "إن شاء الله" 
 يوسف جباعته

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “تجربة صحراوية 1”

  1. سننتظر على أحر من الجمر لقد أثرت فضولنا بشدة نرجو اكتمال المقال بلقريب العاجل كل التقدير والاحترام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر