جبل الجليد يصبغ لحية همنغواي

كتبهايوسف جباعته ، في 28 أيلول 2007 الساعة: 17:45 م


 

قرأت رواية “الشيخ والبحر” في صباي مرتين، لكني لم أعرف لم نالت كل تلك الشهرة فلغتها بسيطة، والأفكار فيها بدت لي ساذجة، فكيف لها أن تفوز بجائزة “بوليتزر”؟ وأن تكون مقدمة لنيل كاتبها إرنست همنغواي جائزة نوبل للأدب عام ١٩٥٤؟
كان ذلك من الأسرار التي شغلتني زمناً طويلاً، حتى دخلت الجامعة لأدرس الأدب الإنكليزي، وكان يدرسنا في شهورنا الأولى الدكتور محمود خربطلي الذي دخل ذات يوم قاعة المحاضرات بقامته الطويلة ومعطفه البني الفاخر، وكان الجو بارداً في الخارج، فخلع معطفه موجهاً إلينا سؤالاً مباغتاً: “أتعلمون شيئاً عن استراتيجية جبل الجليد لهمنغواي؟”، ولمّا لم يتلق أي جواب بالإيجاب؛ ابتسم ابتسامة المنتصر، وقال إن ما يظهر من الجبل الجليدي فوق السطح ما هو إلا جزء يسير منه، وأن الجزء الأعظم مخفي تحت الماء: “فما العلاقة بين الإثنين يا ترى؟”، وسلط نظراته نحوي للحظات خلتها دهراً، فغصت في مقعدي، وأنا أدعو الله في سري أن يجنبني شره، فقد خفت أن يوجه سؤاله هذا لي وأنا في تلك اللحظة لم ألحظ أي وجه شبه بين الاثنين سوى أن لحية همنغواي البيضاء ربما تشبه الجبل الجليدي، ففي تلك الأيام كان فهمنا للأدب وللحياة فجاً ومباشراً، حتى أن الدكتور الايرلندي “راندل آكلي” الذي كان يشكل رعباً لنا، سألنا يوماً عن سبب وفاة الصبي بطل قصة الكاتب دي إتش لورنسThe Rocking Horse Winner، فاستغربنا السؤال لأن الموت والحياة والأرزاق بيد الله، وأجبناه بذلك فغضب غضباً شديداً وقال:”هذا صحيح، ولكننا هنا في حصة أدب وأنا أسألكم عن الأبعاد الأدبية والمغزى من موت البطل”، ثم حلف بالطلاق “بالإنكليزي” أنه سيستقيل في نهاية الفصل، وما إن انتهى الفصل الدراسي حتى فهمنا كثيراً من الأدب العالمي، فعدل الرجل عن الاستقالة.
بعد الدراسة الجامعية عملت مدرساً لمادة الأدب الأمريكي في إحدى المدارس الثانوية الخاصة، وفي أيامي الأولى اخترت لهم القصة نفسها وسألتهم عن وفاة الصبي فقالوا:“يا أستاذ يمكن يكون أكل شي مو بزين وأمه ما تدري عنه ولا حتى الكاتب”، أجلت فكرة الانتحار حتى نهاية الفصل وأعدت عليهم السؤال، فتلقيت إجابات عميقة طربت لسماعها.
نعود لموضوع همنغواي؛ فقد سألنا الدكتور ولم ينتظر الجواب طويلاً، فقال إن همنغواي يكتب اللغة الواقعية البسيطة، غير أن الأفكار التي تتضمنها بين السطور عظيمة وتحتاج إلى صياد لآليء حاذق ليجنيها. عدت إلى البيت بسرعة وأعدت قراءة القصة ولكن بمفهوم مختلف؛ فاكتشفت كثيراً مما كان يخفى علي، وأعجبني أسلوب هذا الكاتب الذي يحترم قارئه ويترك له مساحات كبيرة للتفكير والاستنتاج، وقارنت ذلك على الفور بمعظم أدبنا المعاصر المقروء وإعلامنا المسموع فوجدت أنهما يقومان على تقديم المادة الجاهزة فكرياً، ولكن في قالب لغوي معقد وممل من كثرة الإسهاب والإطناب والترحاب و”الهباب”.
قرأت بعدها جميع أعمال همنغواي وكانت تكبر معي لأنني كلما أعدت قراءتها أفهمها بشكل مختلف وبنضج أكبر. وما كان يشجعني على قراءة نصوصه الأدبية أكثر من مرة هو الآفاق المفتوحة للقاريء فيها، فمثلاً عودة البطل إلى قريته مع الغروب تعطيك إحساساً بفشل البطل في مراده من دون أن يقول لك مباشرة إنه فشل.
وتبقى قصة همنغواي “الشيخ والبحر” بحبكتها البسيطة عن العجوز الصياد الذي نجح بعد ٨٥ يوماً في اصطياد سمكة عملاقة، تجسيداً للتفاعل الجوهري بين الإنسان والطبيعة، ورمزاً لإرادة الإنسان الحرة التي لا يمكن قهرها، كما ترمز علاقة الصياد”سانتياغو” بالصبي “مانولين” إلى الحاجة الإنسانية الفطرية لاستمرارية الحياة والتواصل بين الأجيال

يوسف جباعته

بالتزامن مع جريدة العالم دبي ومدونة اتحاد المدونين.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “جبل الجليد يصبغ لحية همنغواي”

  1. جميل جميل جميل بوركت كتابة ذات طابع ونكهة جميلة

  2. السلام عليكم
    لقد لاحظت الخفة والرقة في الكلمات والتداعي الغير متكلف لك الشكر الى الامام

  3. هلا يوسف

    مبروك دخولك إلى عالم التدوين

    سأعود إليك لأقرأ

  4. أيها الحبيب

    أما أنا فلم أنس شيئا من حديثك في ذلك السرداب المظلم رغم ثرثرة أبي منير الطيب

    لم أنس كيف أخبرتني عن حجك إلى بيت الله الحرام بطريقة (الأتوستب) ومبيتك في الساحات والجسور.. وبعدها ربما بعامين لم أنس أنني كنت سأشتري منك (الكامري) ولم يحصل نصيب

    ومع كل ذلك لم يخطر لي أنك تحمل في جنباتك روح ناقد أثير..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر