صفعة للمبدعين وبرافو يا كسول

كتبهايوسف جباعته ، في 18 تشرين الثاني 2007 الساعة: 15:56 م


يوسف جباعته
كان هناك طفل يدعى "جاوس" في القرن السادس عشر في إحدى القرى الألمانية وكان جاوس هذا خارق الذكاء لكن معلم الرياضيات لم يكن يحبه لأنه كان يجيب على جميع الأسئلة بسرعة تغيظ المعلم، وفي يوم طلب منه أن يجد له ناتج جمع الأعداد من ١ إلى ١٠٠ لكي يلهيه عن الحصة فأتاه الجواب في أقل من خمس دقائق فما كان من المعلم إلّا أن صفعه بقوة وطرده من المدرسة وهو لا يعلم في تلك اللحظة أنه صفع أحد أشهر ثلاثة علماء الرياضيات في التاريخ: كارل فريدريك جاوس.
نحنّ جميعنا إلى مقاعد الدرس رغم أن المدارس وعلى مر التاريخ لم تخرّج عباقرة وعظماء، فلم يتخرج المخترع العظيم أديسون من مدرسة، بل على العكس كانت المعلمة تطرده من الحصة كل يوم لأنه كثير أسئلة وطويل لسان، ولم يكن الفذ إينشتاين مميزاً على مقاعد الدرس، لماذا؟
أعتقد أن السبب في ذلك أن المدارس لم تُصمم للمبدعين وإنما لمخاطبة العقل الجماعي العادي للأفراد لأن المبدعين هم قلة في المجتمع، ولذلك من النادر أن ينجح هؤلاء في المدارس، وهي في هذا تشبه النظم الديمقراطية كثيراً حسب ما يراه المفكر الاستثنائي ستيوارت وايلد في كتابه "رياح التغيير الهامسة"، فهو يؤمن أن الديمقراطية قتلت كثيراً من الإبداع البشري لأنها تعتبر أن البشر سواسية في الحقوق والواجبات وبالتالي فإن المزارع الأمي يملك حق التصويت مثل من يحمل دكتوراه في العلوم السياسية.
بناء على هذا التوجه فهناك من يرى أن من الخطأ أن نبعث بأبناءنا قبل سن المدرسة إلى "الكي جيه" أو الروضة (وهذه تختلف عن الكي جيه بيه الروسية لذلك اقتضى التنويه) لأن الطفل في تلك المرحلة العمرية لا يحتاج إلى تعلم النظام والكتابة بقدر ما يحتاج إلى الفوضى واللعب، فأين تلك المدرسة التي تسمح للأطفال باللعب بالرمل والطين والركض هنا وهناك بعفوية.
الواقع أن المدارس تتفاخر بتعليم الولد النظام وهو بعد لم يبلغ الرابعة من العمر. والنظام بالذات، حسب ما أرى، هو الخطر الحقيقي الذي يتهدد الطفولة لأن الطفل في هذه الفترة يكون بحاجة ماسّة إلى الاستقلالية والشعور بالنفس، ألا تراه في البيت يصمم على فعل كل شيء بنفسه ويكره كثيراً الوعود المؤجلة، فاللعب ممنوع حتى ينهي واجباته و"الطلعة أو الباي" ممنوعة حتى يأكل "سندويشاته".
أنا أرى أن الإنسان وُلد حراً وأن تربيتنا إياه على النظام تنقص من كمال شخصيته، وحتى لو كان هناك من المعلمين من يؤيدني ويؤمن باللعب والفوضى لأطفال الابتدائي والروضة، فإنه لن يمارس قناعاته هذه لأن المدير سيعاقبه وولي الأمر سيشكوه للمنطقة التعليمية لأنه "خيّس ثياب الولد" وضيع عليه دراسته.
وترى الآباء الآن يكدّون في البحث عن مدرسة ملائمة لأبنائهم، وأحياناً كثيرة تكون المعادلة صعبة؛ فالأب يريد لابنه مدرسة فيها مدرسين للّغات يكون بينهم وبين شكسبير قربى ولو من بعيد، وعلماء دين للتربية الإسلامية، وأبناء خالة سيبويه للغة العربية. والفلوس، في أحيان كثيرة،"ع قد الحال"، ما يضطره لتسجيل ابنه في مدرسة تمتاز بواحدة فقط من تلك المهارات وعلى الأغلب تكون اللغة الإنكليزية.
أحد أصدقائي سجّل ابنه في مدرسة راقية غالية الثمن، وابنته في مدرسة تفتقر إلى الأساسيات، وعندما وضّحت له أن هذا ظلم أجابني:”البنت بكره بتتزوج وبتروح ع بيت زوجها، بس الولد مشكله لازم يتعلم زين لأن الحياة متطلباتها صارت كثيرة.”
جريدة العالم
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, ثقافة, خواطر, سياسة, شؤون وشجون الانسان, فكر, منوعات | السمات:, , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر