قنديل كيروسين وغولة تأكل الأطفال
كتبهايوسف جباعته ، في 28 تشرين الثاني 2007 الساعة: 21:12 م

قبل ثُلث قرن بالضبط كان عمري أربع سنوات، وكنت أجلس أمام الموقد في بيتنا
الصغير في ليالي الشتاء الموحشة الطويلة وملامح الغرفة يرسمها قنديل الكاز (الكيروسين) المعلق في وسط الغرفة، ومن حوله تنطبع الخيالات على الجدار، فكنت أقرأ على الجدار يوماً قصة فتى شجاع يحارب وحشاً شريراً ويهبّ لمساعدته رجال القرية فيقتلون الوحش، وكلما اهتز القنديل يرسم على الجدار خيالات أخرى فيوحي لي بأسطورة أخرى، أكون أنا بطلها أحياناً.
كان ضوء القنديل سهرتي المفضلة والوحيدة وخاصة في ليالي الشتاء حيث كنت أتلمس فيه الدفء والحكايات، وكان سروري يتضاعف عندما يطرق أحد الضيوف الباب فيدخل ومعه قنديله فلم نكن نعرف حينها الكهرباء وكانت الشوارع معتمة وترابية وفي الشتاء كان الوحل يزيدها سوءاً، وبما أن الحاجة إلى التواصل الإنساني كانت ضرورية جداً لقضاء الوقت، فكان من يريد السهر في بيت أحدهم يصطحب قنديله معه في الطريق لكي لا يصطدم بصخرة أو يغوص في الوحل. وكان الضيف يطفيء قنديله عندما يصل إلى بيت مضيفه (لتوفير الطاقة) وعندما يغادر البيت يشعله مرة أخرى.
وكانت تسليتي الكبرى مراقبة هؤلاء الضيوف من خلال زجاج النافذة وهو يسيرون إلى بيوتهم، فكان القنديل يتأرجح في شوارع القرية، حتى يختفي في مرحلة ما فأشعر ببعض الأسى اللذيذ لذلك لأن الضيف كان غالباً يأتي وفي جعبته مجموعة من القصص يحكيها عن الشاطر حسن والغولة، وكنت أصدق كل ما يقال حتى أنني أنظر إلى أي ضيف يأتينا بإعجاب لما يعرفه من القصص أولاً ولشجاعته في العودة إلى بيته في الليل المعتم رغم وجود الوحوش والغيلان والساحرات في الطريق.
قبل أيام وأنا أسير في أحد مراكز التسوق في دبي مع أطفالي رأيت مثل تلك القناديل وهي تستخدم الآن للرحلات والتخييم ولإحياء التراث، لكن الإضاءة الساطعة في المركز والجو الآمن الذي كنت فيه حرمني كثيراً من أن أعيش اللحظة التي كنت أعيشها مع قنديلي وهو يرسم لي القصص على الجدار الأصم قبل ثلث قرن من الزمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, ثقافة, خواطر, سياسة, شؤون وشجون الانسان, فكر, منوعات | السمات:فكر, منوعات, أدب, ثقافة, خواطر, سياسة, شؤون وشجون الانسان
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























