أول يوم كهرباء
كتبهايوسف جباعته ، في 28 تشرين الثاني 2007 الساعة: 21:16 م

عندما حضر مهندسو الحكومة ووضعوا الاسلاك والأعمدة في شوارع قريتنا والوصلات والمصابيح الكهربائية في بيوتنا لم أكن أدري ما الذي يحدث وكانوا يقولون إنها الكهرباء وعند سؤالهم عن ما هي الكهرباء فهمنا أنها ستكون بديلاً للقنديل العزيز في بيتنا، لكن كان من الصعب علينا فهم فكرة أنه بـ”كبسة زر” واحدة تضيء البيت من غير حاجة إلى كيروسين، فكنت أعود إلى بيتنا كل يوم من المدرسة والفضول يقتلني لأرى كيف يتم ذلك فأضغط الزر ولا يتغير شيء. حتى جاء اليوم الموعود ووصلت الكهرباء.
ولا أنسى تلك اللحظات عندما عدت يومها من المدرسة وكعادتي ضغطت الزر فإذا باللمبة المعلقة وسط الغرفة تضيء بإضاءة لم نكن نعرف مثلها سابقاً، فكان اندهاشي بذلك أعظم من اندهاش أديسون الذي اخترعها، ورحت أضغط الزر مرات ومرات..أُون أُوف أُون أُوف وفي وسط ذلك قبضت علي والدتي الحنونة فمنعتني، وروت لوالدي ما حدث فأنّبني وأخبرني أن ذلك قد يؤدي إلى نفاد الكهرباء من البيت فلا يجوز تشغيلها إلّا في الليل.
مضت سنتان على ذلك الحدث حتى قدم أول صندوق عجيب إلى قريتنا “التليفزيون” فصار حديث الناس الذي لا ينقطع ، وكنا نذهب كل يوم جمعة إلى بيت صاحب التليفزيون نشاهد تلك التصاوير الغريبة، غير أن المكان كان يضيق بنا فداخل الغرفة كان هناك أكثر من خمسين إنساناً، وكان يتم طردنا نحن الأطفال إلى الخارج، غير أننا لم نكن نستسلم، بل كان أحدنا يتسلل بطريقة ما ليصل بصعوبة إلى حضن والده الذي كان يتعهد بأن ابنه لن يتحرك أثناء عرض المسلسل. وكان أول مسلسل شاهدته في حياتي”وضحى وابن عجلان” وقد علمت بعد زمن طويل أن المسلسل تم تصويره في دبي.
ثم انتشرت أجهزة التليفزيون في القرية ولكنها كانت بالأسود والأبيض طبعاً، وفي يوم كنت أسير ليلاً في شوارع القرية التي رحمتنا فيها إضاءة الكهرباء من الغولة التي تبتلع الأطفال فرأيت أضواء ملونة من خلف ستارة أحد النوافذ وكنت سمعت من بعض الناس أن هناك أجهزة تلفاز ملونة فقررت أن ألقي نظرة لأروي فضولي. وضعت حجراً ووقفت عليه لأصل إلى حافة النافذة ونظرت من خلال شق بسيط في الستارة فرأيت التليفزيون الملون لأول مرة في حياتي، وعن غير قصد رأيت ملابس نسائية ملونة على حافة السرير. لم تمر إلا ثانية أو ثانيتان حتى تلقيت صفعة مدوية من أحد المارة وهو يقول:” مش عيب تتلصص على الناس يا كلب”، وجرّني من أذني إلى أهلي وهو يسبني ويسب تربيتي وألقى بي أمامهم وروى لهم الحكاية. ولولا أنهم كانوا يعلمون برائتي وصغر سني لما رحموني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, ثقافة, خواطر, سياسة, شؤون وشجون الانسان, فكر, منوعات | السمات:فكر, منوعات, أدب, ثقافة, خواطر, سياسة, شؤون وشجون الانسان
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























