لم أخطط لحظة لأن أصبح مدرّساً حتى قرأت خبر تعييني في الجريدة المحلية، وأسقط في يدي لأن الوظيفة لا يمكن تفويتها وخاصة أنني لم أكن أجيد حرفة غيرها ذلك الوقت( الآن أجيد التفلسف والحمد لله).
وقّعت أوراق تعييني وأبلغوني في مديرية التربية أن علي أن ألتحق بمكان عملي الجديد في أسرع وقت ممكن.."الجدعاء" على أطراف البادية الأردنية.
أرشدوني صباح اليوم التالي إلى موقع الباص الذي ينقل الركاب إلى مجموعة القرى النائية ومنها الجدعاء، وانتظرت ساعة وربما أكثر حتى حضر الباص. ركبت فيه بوجل فنظر السائق إلى الخلف ورآني في رتابة غير عادية:” أهلاً وسهلاً، الأخ معلم حكومة؟"
"نعم، بعثوني إلى الجدعاء، الباص هذا يروح هناك؟"
"نعم. وأنا اسمي فالح، أسوق هذا الباص من عشرين سنة"
شاربان كثيفان شديدا السواد يصلحان مخبئاً لمهربي المخدرات في كولمبيا..عينان حادتان، شعر فاحم يثير الحسد.
فالح يعرف جميع الركاب ليس فقط بالاسم وإنما بالصفة أيضاً:” أبو حمد بطيء، والله ما ييجي غير لمّا يشتري السوق كله" و" أم عليان راحت المستوصف تشتري دوا الكلى للمسكين اللي مرمي بالبيت من سنين، الله يساعده". فعلمت أنه ينتظر الركاب الذين أحضرهم ولا يعود بدونهم لسبب بسيط ومنطقي وهو أن هناك رحلة واحدة فقط لهذا الباص في اليوم.
بدأ الركاب بالتوافد، امرأة مسنة دخلت وابنها معها يحمل "قفصاً"ممتلأً بالدجاج الحي، ساعدهما فالح في وضع القفص على أرضية الباص.
ركب بجانبي رجل طاعن في السن، ونظر إلي نظرة متفحصة، وكأنه ضابط حدودي اكتشف أن جواز سفري مزور:”وين رايح؟"
"الجدعاء يا حاج" قلتها بوجل.
" آه. طيب زين" أخرج من جيب جاكيته علبة للف السجائر وكيساً من التبغ الخام وولاعة كاز فضية اللون:”ألف لك وحده"
"مشكور. بارك الله فيك"
رمى بلسانه كالضفدعة على الورقة ليرطبها ثم ألصقها بعناية، وتزامنت حاجته التخلص من بقايا التبغ الزائدة في فمه مع سؤاله المباشر لي:” أنت معلم حكومه؟" فكان أن تفل البقايا في وجهي مترافقة مع لعابه. مسحت التبغ وعوالق أخرى عن وجهي وأجبت:”نعم يا حاج"
"آه. طيب زين، في الجدعاء قلتلي؟"
"نعم يا حاج"
صم














"جاوس" طفل عاش في القرن السادس عشر في قرية ألمانية. كان خارق الذكاء، لكن معلم الرياضيات لم يكن يحبه لأنه كان يجيب جميع الأسئلة بسرعة تغيظه، وفي يوم طلب منه أن يجد له ناتج جمع الأعداد من ١ إلى ١٠٠ لكي يضمن سكوته اثناء الحصة، فأتاه الجواب في أقل من خمس دقائق، فصفعه المعلم بقوة وطرده من المدرسة وهو لا يعلم في تلك اللحظة أنه صفع أحد أشهر ثلاثة علماء رياضيات في التاريخ: كارل فريدريك جاوس.

)
)
إليك، سبع نصائح تضمن من خلالها أن تكون ثقيل الظل بامتياز:
